ابن كثير

324

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل من أهل الثغور بالشام ( 1 ) يقال له أبو حرب المبرقع اليماني ، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه . وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله عند امرأته في غيبته فمانعته المرأة فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها . فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته فذهب إلى الجندي وهو غافل فقتله ثم تحصن في رؤوس الجبال وهو مبرقع ، فإذا جاء أحد دعاه إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويذم من السلطان ، فاتبعه على ذلك خلق كثير من الحراثين وغيرهم ، وقالوا : هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام ، فاستفحل أمره جدا ، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل ، فبعث إليه المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من ( 2 ) مائة ألف مقاتل ، فلما قدم أمير المعتصم بمن معه وجدهم أمة كثيرة وطائفة كبيرة ، قد اجتمعوا حول أبي حرب ، فخشي أن يواقعه والحالة هذه ، فانتظر إلى أيام حرث الأراضي فتفرق عنه الناس إلى أراضيهم ، وبقي في شرذمة قليلة فناهضه فأسره وتفرق عن أصحابه ، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم ، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام ، فقال : كان معه مائة ألف أو يزيدون ، فلم أزل أطاوله حتى أمكن الله منه ، فشكره على ذلك . وفيها في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور . وهذه ترجمته هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي يقال له المثمن لأنه ثامن ولد العباس ، وأنه ثامن الخلفاء من ذريته ، ومنها أنه فتح ثمان فتوحات ، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام . وقيل ويومين ، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة ، وأنه توفي وله من العمر ثمانية وأربعون سنة ، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات ، ومنها أنه دخل بغداد من الشام في مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون ، قالوا : وكان أميالا يحسن الكتابة ، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام فمات الغلام فقال له أبو الرشيد : ما فعل غلامك ؟ قال : مات فاستراح من الكتاب ، فقال الرشيد : وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه ؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكتاب . فتركوه فكان أميا ، وقيل بل كان يكتب كتابة

--> ( 1 ) في الطبري وابن الأثير : بفلسطين . ( 2 ) في الطبري 11 / 6 : ألف رجل ( انظر ابن الأثير 6 / 523 ) .